أهمية الغطاء النباتي البري في دول الخليج العربي

الدكتور مجد جرعتلي

تتصدر الأشجار والنباتات البرية في قمة الأنظمة البيئية للمناطق الجافة و الصحراوية في دول الخليج العربي فهي تشكل جزءا متمما للتراث والتقاليد الشعبية وتتمتع بمكانة واعتبار خاص من قبل السكان، وهي ذات منافع وقيم مختلفة الأنماط لمستخدميها، فهي مصدر لرعي الماشية، ومكان لحماية ولجوء الحياة البرية بكافة أنواعها من حيوانات وطيور ومكانا للتنزه والترفيه، كما تساهم بشكل فعال في إيقاف زحف الرمال وعملية تعرية التربة ومن ثم السيطرة على ظاهرة التصحر.

الأهمية البئية للغطاء النباتي في دول الخليج العربي:
إن زيادة تلوث الهواء بغازي أول و ثاني أوكسيد الكربون (Co,Co2) والغازات الدفيئة الضارة الأخرى سوف يزيد درجة حرارة الأرض (درجتان مئويتان) في غضون السنوات الخمسين القادمة، وعند حدوث هذا االتغير السيئ ستكون عواقبه كثيرة وخطيرة ومنها زيادة الجفاف في الأراضي المدارية وشبه المدارية الجافة، إلا أنه يمكن مواجهة هذه الحالة بتحسين عمليات إدارة الأراضي والصحاري والأخذ بسياسات التنمية البيئية المستدامة، وهذا ما يستدعي تنفيذ إصلاح زراعي جذري يضع في أولوياته إعادة الإستزراع النباتي في المناطق الجافة والصحراوية ومنها دول الخليج العربي والكثير من الدول العربية وإذا لم ينفذ هذا الإصلاح فإنه سوف يستمر التدهور البيئي ويزداد معدل التصحر بشكل كبير وخطير، وإن إعادة الإستزراع النباتي من جديد للمناطق الصحراوية يلزمه الفهم التام لدورة حياة تلك النباتات البرية ومعدل تكاثرها الطبيعي وعلى قدرتها على الإنتشار والبقاء في الظروف البيئية الجديدة كما يتتطلب فهمنا لفيزيائية عمليات الرياح، وآليات حركة الرمال، والتقنيات الصديقة البيئة للسيطرة عليها، والتغييرات القصيرة والطويلة الأجل في مكونات الصحراء وفيما إذا تعود هذه التغيرات إلى أسباب طبيعية أو من صنع البشر
.

تعريف الغطاء النباتي للمناطق الجافة والصحراوية: Vegetation cover for dry & desert areas
هو أهم المكونات البيئية والذي يضم كافة النباتات المتواجدة في المناطق الجافة و الصحراوية من أشجار أوشجيرات أو نباتات برية صغيرة كانت أو كبيرة و التي نشأت بصورة طبيعية.

أهمية وفوائد الغطاء النباتي في المناطق الجافة والصحراوية:
لا يمكن إحصاء فوائد وأهمية الغطاء النباتي الطبيعي لأي بقعة من بقاع الأرض وذلك بسبب الفوائد الكثيرة المباشرة وغير مباشرة والتي يقوم بها الغطاء النباتي، فمن السهولة مشاهدة أو لمس بعض الفوائد المباشرة ولكن يصعب علينا ملاحظة الفوائد الكبيرة غير المباشرة والتي يلزمها سنين لمعرفة أهميتها على حياتنا اليومية وحياة أجيالنا، وفيما يلي نوجز بعضا من فوائد وأهمية الغطاء النباتي البري في المناطق الجافة والصحراوية:
1- يعتبر الغطاء النباتي القاعدة الأساسية في الهرم الغذائي لكافة الكائنات الحية.
2- يعتبر الغطاء النباتي من أهم النظم البيئية التي تقوم من خلال عملية التمثيل الضوئي بإستخدام الطاقة الشمسية في إمتصاص ثاني أكسيد الكربون وإنتاج غاز الأوكسجين اللازم لتنفس كافة أشكال الحياة على سطح الأرض ومنع ظاهرة الإحتباس الحراري .
3- يعتبر من أهم النظم البيئية في فلترة و تخليص الهواء من الغازات السامة و الغباروالمعلقات الضارة.
4- المحافظة على درجة الحرارة المناسبة للحياة وخاصة في تقليص الفوارق الحرارية بين النهار والليل.
5- المحافظة على دورات العناصر المعدنية والعضوية في التربة.
6- المحافظة على رطوبة ودورة المياه في التربة وعلى جلب الأمطار.
7- تثبيت الكثبان الرملية ومنع ظاهرتي الإنجراف والتعرية للتربة والتضاريس.
8- تنظيم الرياح وحركة السحب والأمطار وتوزيعها على سطح الأرض.
9- يوفر الغطاء النباتي للإنسان الموارد الطبيعية التي يستخدمها في الغذاء.
10- يوفر الغطاء النباتي للإنسان المواد الفعالة الطبيعية الأولية واللازمة للصناعات الدوائية.
11- يعتبر الغطاء النباتي من أهم العوائل للمكونات الأحيائية والتوازن البيئي الذي يتربع على رأسه الإنسان.

أسس وطرق إكثار وتنمية الغطاء النباتي البري في المناطق الجافة والصحراوية لدول الخليج العربي:
تبلغ مساحة الوطن العربي حوالي 14.3 مليون كيلو متر مربع، يشغل الجزء الآسيوي منها 28% والجزء الأفريقي 72%. وتقع معظم أراضي الوطن العربي في نطاق الأراضي الجافة وشبه الجافة حيث تمثل 77% من مساحة الوطن العربي في نطاق الأراضي الجافة أي حوالي أكثر من 11 مليون كم2 من مساحة الوطن العربي مناطق جافة وهي تشكل 20% من المساحة الكلية للأراضي الجافة في العالم.

وتمثل شبه الجزيرة العربية أعلى نسبة من مساحة الأراضي الجافة في الجزء الآسيوي بينما تمثل مصر وليبيا والجزائر أعلي نسبة من مساحة الأراضي الجافة في الجزء الأفريقي، وتتميز دول الخليج العربي كما هو معروف بجفاف شديد وينعكس هذا في زحف الرمال وتكرر العواصف الترابية. لذا تكون تعرية التربة ظاهرة طبيعية لكنها تتسارع بمعدلات عالية نتيجة الضغط الرعوي والنشاطات البشرية الأخرى غير المسؤولة.

وفي الظروف البيئية الجديدة من إرتفاع نسب التلوث في الهواء والتربة وزيادة درجات الحرارة والتقلبات الحادة في المناخ بشكل عام والإحتطاب والرعي الجائر للنباتات البرية الصحراوية بشكل خاص، تغدو الأشجار والنباتات في تلك المناطق عاجزة وغير قادرة على حماية وإكثار ذاتها والإنتشار في موطنها الأصلي بشكل طبيعي كما كانت، لذلك كان من الواجب والضرورة العمل على إعادة دور وفعالية الغطاء النباتي إلى البيئة من جديد وذلك بحمايته وإكثاره بالشكل العلمي الذي يكفل بقاؤه وإستمرارية حياته .

وفيما يلي نذكر أهم أسس وطرق إكثار وتنمية الغطاء النباتي البري في المناطق الجافة والصحراوية لدول الخليج العربي:
1- دراسة الموارد الطبيعية بكافة محتواها في مناطق الغطاء النباتي وتقييمها، وفهم أوضاعها البيئية.
2- إعداد برنامج إكثار النباتات المنقرضة أو المهددة بالإنقراض إكثارا نسيجيا وذلك بهدف الحصول على أعداد كبيرة ومقاومة ومطابقة وراثيا للأصناف المحلية وذلك في مخابر زراعة الخلايا والأنسجة النباتية وإعادة إستزراعها من جديد في موطنها الأصلي.
3- إقامة وحدة حفظ جيني للذخائر الوراثية Conservation of genetic لكافة النباتات البرية ذات الموطن الأصلي لدول الخليج العربي وذلك بطرق الحفظ الجيني الخليوي Conservation of genetic cell والذي يعتبر من أحدث وأفضل طرق الحفظ الجيني.
4- إقامة مشاتل حديثة خاصة لتقسية وتربية (Hardening and plant breeding) الأشتال النسيجية المنتجة في مخابر زراعة الخلايا والأنسجة  وتهيئتها للزراعة في الأرض الدائمة في موطنها الأصلي.
5- التعاون العلمي والفني مع المنظمات والجامعات العربية والإقليمية والدولية التي تعمل في مجال حماية البيئة وتنميتها عن طريق عقد المؤتمرات والندوات العلمية.
6- تطوير محطات الأرصاد الجوية وأخذ الصور الفضائية والخرائط الرقمية للمواقع البيئية.
7- إعـداد خرائط تفصيلية حديثة للتربة ومحتواها من النباتات الطبيعية بواسـطة الصور الفضـائية للتـعرف عـلى تصنيفـها وخصائصها وأعماقها وقدراتها الإنتاجية والذي يتمثل فيما يلي:

  • رسم خرائط لأنماط التجمعات النباتية (patterns of plant communities) والكثبان الرملية ومراقبتهما بواسطة الأقمار الصناعية.
  • إكتشاف انبعاث الموجات الكهرومغناطيسية‏ (EMR) وتطبيقاتها على قياس رطوبة التربة من الجو.
  •  تشجيع البحوث والدراسات العلمية في مجال إكثار وتطوير الغطاء النباتي الطبيعي من خلال دعم مراكز البحوث العلمية والباحثين والجامعات والهيئات المعنية بذلك.
  •   إجراء الدراسات والتجارب حول إمكانية الاستفادة من النباتات الطبية في إنتاج الأدوية والمبيدات العضوية والإستفادة من النباتات الرعوية وإجراء التحاليل الكيميائية لها لمعرفة عناصرها وقيمتها الغذائية والهضمية وإستخدامها كمحاصيل علفية (Fodder Crops).
  •   متابعة وتقييم ظاهرة تناقص الغطاء النباتي من خلال مقارنة الصور الفضائية بشكل دوري وخلال فترات مختلفة من إعادة الإستزراع النباتي.
  •   إجراء دراسات عن عملية التعاقب النباتي، وكذلك إجراء تقييم للتنوع النباتي وشدة تدهور الغطاء النباتي بالمنطقة، بهدف تحديد الأنواع النباتية المنقرضة أو المهددة بالإنقراض والحد من هذا الإنقراض في مراحله المبكرة.

مراقبة النشاطات الزراعية والرعوية والرياضية الفردية والجماعية العشوائية:
1- إيقاف الزراعات المروية أوالبعلية في مناطق الغطاء النباتي وتوجيه هذه الزراعات نحو المناطق المخصصة للزراعة والمناسبة لظروف المناخ مع هذه الزراعات.
2- توعية السكان المحليين والمزارعين والمربين ولفت انتباههم بأهمية الغطاء النباتي الطبيعي وعدم ممارسة الرياضات الفردية والجماعية وخاصة بالسيارات التي تقوم بتكسير العديد من الأشجار والنباتات في موطنها البري الأصلي ومنع الإحتتطاب والرعي الجائر، وذلك عن طريق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والصحف والمجلات والندوات الإرشادية.

الإجراءات التشريعية والرسمية المساهمة في الحفاظ على الغطاء في المناطق الجافة والصحراوية لدول الخليج العربي:
1- سن القوانين والتشريعات الكفيلة بحماية وتنمية الغطاء النباتي والغابات والمراعي الطبيعية، وذلك بمنع الرعي الجائر وقطع الأشجار والتحطيب العشوائي والبرامج الرياضية و السياحية العشوائية.
2- إلزام السلطات المحلية والجهات المسؤولة ذات الاختصاص بمراقبة تطبيق وتنفيذ هذه القوانين والتشريعات بصورة صارمة.
3- بناء وتأسيس قاعدة بيانات (بيئية وسياحية) شاملة خاصة باستعمالات الأراضي تحتوي على الخرائط والمعلومات والصور الفضائية والدراسات والأبحاث المتعلقة بهذا المجال، وتكون بشكل يسهل استخدامها من قبل المستثمرين وصانعي القرار والمخططين للإستفادة منها في وضع خطط التنمية البيئية الشاملة.
4- العمل على رصد كثافة الغطاء النباتي والغابات والمراعي الطبيعية وبشكل دوري باستخدام التقنيات الحديثة مثل تقنية الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية، بحيث يضمن حمايتها وصيانتها والعمل فورا على تنمية المناطق المتدهورة منها.
5- الأخذ بمبدأ التنمية البيئية المستدامة (Sustainable environmental development) وتطبيقها عند وضع الخطط التنموية للمشاريع المستقبلية.
6- تأسيس وحدة متكاملة لإدارة الحياة البرية بكافة أنواع و أشكال الحياة فيها.
7- تأسيس بنية تحتية لخدمات السياحة البيئية في مناطق الجذب السياحي لمنع الطرقات العشوائية التي تخترق وتمزق الأراضي الطبيعية وبما تحويه من غطاء نباتي.
8- تعزيز أنظمة الاكتفاء الذاتي الدائم والتي يستفيد منها السكان المحليون لكل دولة وتحفظ التراث والثقافة وتجلب المنافع الإقتصادية للدول وتساعد في تنفيذ الاتفاقيات والإلتزامات الدولية المختلفة.
9- تطوير استراتيجيات وطنية وخطط عمل تضع سياسة واضحة المعالم لاستخدام وإدارة الموارد الوطنية بما فيها القوى البشرية.
10- تأسيس منظمة وطنية لتنفيذ القوانين والسياسات المتعلقة بالبيئة بشكل فاعل.

وفي الختام يمكن القول بأن الغطاء النباتي الطبيعي في المناطق الجافة والصحراوية لدول الخليج العربي والذي خلقه الله هو كنزا من الفوائد التي لا تنضب والتي لا نشعر بقيمتها إلا بعد فقدها، لذلك وجب علينا جميعا حمايته وصونه وتتطويره ليكون لنا ولأجيالنا القادمة عونا في ظل التدهور البيئي الذي نأمل جميعا بأن يتوقف. . بجهودنا وعملنا جميعا ..

الدكتور المهندس الزراعي مجد جرعتلي
دكتوراة دولة في العلوم الزراعية