المكافحة المتكاملة للآفات والحشرات الزراعية

الدكتور مجد جرعتلي

المكافحة المتكاملة للآفات:
عندما فكر الإنسان بإختراع السموم ليقتل بها الحشرات لم يفكر بأن هذه السموم سوف تنتقل إليه عاجلا أم أجلا من خلال الهواء والماء والغذاء ؟؟؟

بدأ الإنسان بتطوير طرق مكافحة الآفات التي تنافسه على الغذاء في القرن الماضي بشكل واسع حيث ظهرت في البداية مجموعة المركبات اللاعضوية مثل مركبات الزرنيخ والمركبات ذات الأصل النباتي مثل ( الروتينون – النيكوتين- البارثرين) وفي أوائل القرن الحال استخدمت الغازات السامة مثل (سيانيد الهيدروجين) لتدخين الأشجار وبنفس الوقت ظهرت الزيوت المعدنية القطرانية منها والبترولية. ثم استخدمت في العشرينات من القرن الماضي ومركبات الفينولات وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت المركبات الجديدة الصناعية مثل المركبات الكلورية العضوية أو الفوسفورية العضوية وبدا للمهتمين في مكافحة الآفات أن هذه المبيدات قد أعطت الإجابات الشافية لعملية المكافحة المطلوبة.

إلا أن الاستخدام المتكرر وغير الصحيح لهذه المبيدات كشف عدة مشاكل لم تكن بالحسبان وذلك لأن المبيد المستخدم في هذه المرحلة كان ذو طيف واسع وسمية شديدة بالنسبة إلى عدد كبير من الأنواع الحشرية مما أدى إلى قتل الطفيليات والمفترسات (الأعداء الحيوية) وإضعاف دورها في عملية المكافحة الطبيعية وإحداث التوازن البيئي ، إضافة إلى حصول بعض التسممات للكائنات غير المستهدفة كالحيوانات الأليفة والطيور والنحل والإنسان.

كما أدى الاستخدام غير الصحيح لهذه المبيدات إلى ظهور صفة المقاومة للمبيدات من قبل الآفات الحشرية كما أدت إلى سيادة آفات جديدة في البيئة فمثلاً في السودان حيث كانت تستخدم في الأربعينات مبيدات الكلور العضوية لمكافحة دودة اللوز الأمريكية في القطن ودودة ورق القطن المصري مما أدى في الخمسينيات إلى ظهور الجاسيدات في حقول القطن والتي لم تكون موجودة من قبل، وبعد عدة سنوات من المكافحة المستمرة بالمواد الكيماوية ظهرت آفة جديدة هي الذبابة البيضاء على القطن.

وهكذا نرى أن المبيدات لم تعد تعط النتائج المرجوة أصبحت أحياناً تعطي نتيجة عكسية خاصة عند ظهور صفة مقاومة المبيد في سلوك الآفة حيث أن المبيد في هذه الحالة يقضي على المفترسات والمتطفلات (الأعداء الحيوية) ويبقي على الأفراد المقاومة من الآفة، فإن المبيد في هذه الحالة يساعد في زيادة أعداد الآفة وليس نقصها . هذه الأمور أدت إلى التفكير لاستنباط طرق جديدة للمكافحة بل الاعتماد على أساليب متعددة يخدم بعضها البعض بصورة متكاملة وهذا مايسمى الآن بالمكافحة المتكاملة للآفة أو إدارة الآفة المتكاملة.

مفهوم المكافحة المتكاملة:
إن الإدارة المتكاملة للآفة IPM علم تطبيقي حديث يعود العمل به إلى أكثر من 25 سنة ويمكننا أن نحدد بأن السبعينات من هذا القرن هي التي أرست قواعده ولقد تعددت التعاريف التي تناولت المكافحة المتكاملة .

نذكر منها:
 تعريف شيرين وجماعته 1959:
أن المكافحة المتكاملة هي طريقة لمكافحة الآفات تجمع بين المكافحة الحيوية والكيماوية.

تعريف المنظمة الدولية للمكافحة الحيوية 1969:
إن المكافحة المتكاملة هي نظام لوقاية النبات ويدعو إلى استخدام مختلف طرق الوقاية الزراعية والحيوية والكيماوية بحيث يسمح ببقاء الآفات الضارة في مستوى يمكن تحمله أو دون الحد الاقتصادي الحرج.

التعريف الحالي للمكافحة المتكاملة حسب منظمة الأغذية والزراعية الدولية FAO 1974 والمنظمة الدولية للمكافحة الحيوية عام 1977:
إن المكافحة المتكاملة نظام يستخدم مجموعة من الطرق الملبية في وقت واحد لكل من المتطلبات البيئية والاقتصادية والصحية معتمداً خاصة على استخدام الأعداء الحيوية ومبدأ الحد الاقتصادي الحرج.

إن المكافحة المتكاملة بمعنى آخر هي إستراتيجية لمكافحة الآفات مبنية على البيئة حيث تعتمد على عوامل الموت الطبيعية بواسطة الأعداء الحيوية وعوامل المناخ غير الملائمة وتعتمد بشكل قليل على تقنيات المكافحة الأخرى حيث تستخدم المكافحة الكيماوية فقط عندما تدعو الحاجة إليها ومن خلال دراسة الكثافة العددية للآفة وعوامل الموت الطبيعية مع الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات المتداخلة بين المحصول المراد حمايته وبين العمليات الزراعية وعوامل المناخ والآفات الأخرى.

مراحل تطور المكافحة المتكاملة:
لم يكن ممكناً تطبيق كافة معطيات المكافحة المتكاملة دفعة واحدة وإنما طبقت بالتدريج حيث كان الحد من الاستخدام المتزايد للمبيدات وترشيد استخدامها المسألة التي حظيت بالاهتمام الأكبر والتي شكلت المرحلة الأولى قبل الوصول إلى المكافحة المتكاملة، وهذا ما أطلق عليه اسم المكافحة الموجهة، وهذه اعتمدت على اتجاهين أساسيين:

1-  الإقلال ما أمكن من استخدام المواد الكيماوية والاقتصار على ذلك على الحالات الضرورية الملحة والاعتماد على معطيات التنبيهات الزراعية والمعطيات البيولوجية المختلفة.

2-  الإقلال ما أمكن من التأثيرات الثانوية للمبيدات الزراعية على الأنواع المفيدة من مفصليات الأرجل كالأعداء الحيوية وملقحات النبات والحشرات النافعة الأخرى.

ويتضمن ذلك مجموعة من التدابير والتي يمكن تلخيصها بإجراء الرش في أوقات غياب هذه الكائنات المفيدة واستخدام المكافحة الموضعية وانتخاب المبيدات ذات السمية الأقل أو بمعنى آخر استخدام المبيدات المتخصصة الانتقائية مثل مانعات التغذية وهرمونات النمو حيث أن استخدام هذه المواد إلى جانب العديد من الطرق البيولوجية والزراعية والفيزيائية يقودنا إلى المرحلة الثانية وهي المكافحة المتكاملة IPM وفي هذه المرحلة يتم تجنب استخدام المواد الكيماوية ما أمكن والاعتماد خاصة على الطرق الحيوية الزراعية الفيزيائية.. الخ بهدف الإقلال من أعداء الآفات مع الإساءة بأقل قدر ممكن إلى الوسط الإيكولوجي.

وهكذا يمكن للمكافحة المتكاملة أن تفتح الطريق نحو أسلوب إنتاج زراعي بيئي حيث يستخدم المزارع مختلف الطرق المتوفرة معتمداً في ذلك على أسس علمية صحيحة ومعطيات بيئية محلية تقوده نحو اتخاذ مايتوجب من إجراءات تحمي النبات والبيئة معاً وتؤمن الطمأنينة لكافة أطراف الوسط الذي تعيش فيه. وهذا نرى أن وضع برنامج المكافحة المتكاملة يتطلب الحصول على عديد من الدراسات الأساسية وهي:

1-   دراسة حياة الحشرات وسلوكها وتعاقب أجيالها وتوزعها الجغرافي.
2-   دراسة مستويات كثافة أعداد الآفات التي يمكن تحملها دون خسائر ملموسة.
3-   دراسة العوامل الرئيسية التي تسبب الموت الطبيعي والآفات التي تنظم تكاثر ديناميكية أعدادها.
4- الأوقات والأماكن التي توجد فيها الآفات ومدى أهمية الدور الذي تقوم به الأعداء الحيوية الرئيسية من الطفيليات والمفترسات ومسببات الأمراض.
5-   أثر إجراءات المكافحة على الآفات وعلى العوامل التي تسبب الموت الطبيعي وعلى النظام البيئي بصورة عامة.

أسس الوقاية المتكاملة للمزروعات:

* رصد المزروعات وتحديد مجموعات الآفات الضارة والأعداء الحيوية :
يتطلب ذلك رصد كامل لمختلف الآفات الهامة في منطقة ما وتقدير أعدادها وانتشارها والتغيرات التي تحصل في هذا المجال وذلك اعتماداً على معطيات محطات الأرصاد والإنذار الزراعي وتقدير مدى الضرر الذي يمكن أن تحدثه في كل مرحلة من هذه المراحل وفي الوقت نفسه مراقبة كافة العوامل (حيوية وغير حيوية) وتحليل مدى تأثيرها على أعداد الآفات وبالتالي إسهامها في دورة الأخطار المتوقعة ولابد من أن يتم ذلك على مستوى المزرعة الواحدة في الوقت الذي يتم على مستوى المنطقة وقد ساعد التقدم الذي حصل في مجال طرق ووسائل دراسة وحصر الحشرات وكذلك وسائل تحديد ظهورها كالمصائد المختلفة وخاصة المصائد الجنسية والغذائية وكذلك طرق تحليل العوامل المناخية كل ذلك ساعد في ضبط تحركات الآفات وما يحيط بها من عوامل مختلفة.

* تطبيق مفهوم العتبة الإقتصادية أو الحد الإقتصادي الحرج:
الحد الاقتصادي الحرج أو العتبة الاقتصادية للمكافحة:
 هو الكثافة العددية التي يجب منها بدء المكافحة لمنع ازدياد أعداد الآفة والوصول إلى مستوى الضرر الاقتصادي.

تدل العتبة الإقتصادية على مستوى أضرار الحشرة أو الآفة الذي يصبح عنده التدخل ضرورياً لوقاية النبات من خطر الآفات التي تهدده  وهنا يجب أن نميز بين مرحلة الخطر المحتمل والذي يسمح بتوقع محتمل مسبق لوقع الخطر وبالتالي القيام ببعض الإجراءات الوقائية لدرء الخطر قبل وقوعه. علما بأن مستوى الضرر الاقتصادي أو الحد الاقتصادي للضرر هو أقل عدد لآفة تحدث الضرر الاقتصادي. والضرر الاقتصادي هو مقدار الضرر أو كمية التلف الذي يتساوى أو يزيد على تكاليف عملية المكافحة.

طرق المكافحة المتكاملة:

  • الطرق الزراعية :

 مثل استخدام الأصناف المقاومة من البذور الزراعية والأشجار المثمرة، إتلاف بقايا المحاصيل ونواتج التقليم، فلاحة التربة، مواعيد الزراعة، التقليم والتخفيف ، التسميد ، النظافة العامة مثل جمع الثمار المصابة وإتلافها ، إدارة المياه مثل كمية وموعد الري ، زراعة محاصيل متعددة.

  • الطرق الفيزيائية:

مثل زيادة أو خفض ( الحرارة، البرودة، الرطوبة، الضوء ، الصوت..).

  • المبيدات العضوية

مثل المواد العضوي أو (المستخلصات النباتية والعناصر المعدنية النادرة (الفلزات الطبيعية )):

وهي ذات منشأ عضوي طبيعي أو مصنع مثل الأحماض العضوية وغيرها من المركبات العضوية ومنها مواد مستخلصة من الثمار أو الأوراق أو الاستخلاص بالمذيبات العضوية أوالعناصر المعدنية أو العضوية النادرة.

  • الطرق الحيوية:

 والتي تشمل تنشيط ووقاية الأعداء الحيوية المحلية، الاستيراد والتربية الكثيفة ونشر الطفيليات والمفترسات، تحضير واستخدام بكتيريا ، فيروس ، فطور ، بروتوزا، نيماتودا.

  • الطرق الكيميائية:

 وتشمل الجاذبات، الطاردات، مختلف المبيدات الحشرية، المعقمات الكيماوية، مانعات النمو (الهرمونات).

  • الطرق الوراثية:

وتسمى بأسلوب المكافحة الذاتية أو الوراثية وتشمل تربية وإطلاق الذكور العقيمة ذات الشروط الوراثية الخاصة أو تلك غير القادرة على التوافق الوراثي بأشكال مختلفة ، أي إكثار العوامل المميتة التي تنتج عن تزاوج فردين من نفس النوع.

  • الطرق التشريعية:

وتشمل الحجر الزراعي للنباتات والحيوانات، برامج استئصال آفات معينة بقوة القانون كأن نمنع مثلاً إرسال مادة زراعية في نفس البلد من منطقة إلى أخرى.