كارثة ” فوكوشيما ” ومستقبل مشاريع الطاقة النووية

الدكتور مجد جرعتلي  – دراسات خضراء

بالرغم من أن اليابان من أكبر خمس دول منتجة للتكنولوجيا النووية وأن ” محطة فوكوشيما ” واحدة من أكبر   ” 25″ محطة للطاقة النووية في العالم  وأنها أول محطة نووية يتم بناؤها وتشغيلها بالكامل من قبل ” شركة طوكيو للطاقة الكهربائية ” والتي إستخدمت فيها قمة الوسائل العلمية والتقنية الحديثة والتي تتميز بها اليابان والتي تعد من الدول الأكثر تطوراً في العالم في تأمين سلامة مفاعلاتها النووية،  ولكن وللأسف وبالرغم من ذلك كله لم يساعد كثيرا العقل الياباني المبدع الذي أقام تلك المنشأة على الصمود في وجه الزلزال البحري الذي وقع على بعد (400) كم شمال شرق طوكيو في أعماق المحيط الهادي فجر يوم 11 من مارس 2011 م  فتصدع مجمع فوكوشيما النووي ودمر كلعب الأطفال خلال عشرات الثواني مشكلا أكبر كارثة بيئية وإقتصادية وتجارية وحاصدا ألاف الضحايا ومئات الألاف من المشردين وفقدت البيوت والمدن من الوجود ؟.

ويبدو أن مستوى الخطر والضرر الهائل الذي نتج عن التسرب الإشعاعي من  ” محطة فوكوشيما النووية ” قد أثار مخاوف وتساؤلات العديد من دول العالم والتي أعادت حساباتها من جديد عن مستقبل الطاقة النووية وأثارها الكارثية على الإنسان والبيئة وكافة أشكال الحياة , وهذا ما تحقق بالفعل لاحقا على أرض الواقع فقد تراجعت كل من ” ألمانيا وسويسرا وإيطاليا ” عن إنشاء المزيد من المحطات النووية كما صرحوا في رغبتهم في زيادة نسبة إعتمادهم على الطاقات المتجددة والنظيفة ؟؟

ولكن وفي الوقت نفسه فإن العديد من الدول العربية أعلن عن رغبته بإقامة محطات للطاقة النووية في بلاده ؟ وبعض الدول العربية قد تعاقدت سابقا على إقامة هذه المحطات وعلى سبيل المثال بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة خطوات إنشاء أربع محطات نووية بها , كما أعلنت المملكة العربية السعودية عن عزمها إنشاء 16 محطة نووية على أراضيها ورصدت لها 80 الف مليون دولار وعلى أن يبدأ تشغيل أول محطتين في خلال عشر سنوات ويستكمل تشغيل جميع المحطات بحلول عام 2030 وكذلك جمهورية مصرالعربية ستطرح قريبا مواصفات أول محطة نووية بها وكذلك المملكة الأردنية الهاشمية  وغيرها من الدول العربية.

وبين من يسعى إلى الدخول في الطاقة النووية وبين من يسعى إلى الخروج منها يتوقع الكثير من الخبراء في العالم بأن تتراجع دولا أخرى عن ” مشاريع بناء محطات نووية ” في بلدانها ، والإستعاضة عنها بمصادر أخرى للطاقة، ولكن البعض يرى أن هذا أمر غير واقعي؛ لأن في حالة اليابان ليست المشكلة في المحطة النووية نفسها، بل في قوى الطبيعة من زلازل وفياضانات ؟ وبالتالي فالأمر نسبي ويختلف لدى الدول حسب نسبة تعرضها لهذه الكوارث الطبيعية، ولكن تأثير الكارثة في اليابان وعلى سوق التكنولوجيا النووية العالمية يجب أن يوقظنا ويعطينا الحافذ إلى البحث عن الضمانات لسلامة ونجاح تلك المشاريع حيث تعتبر أخطاؤها كارثية؟

ولكن هل كانت الضمانات النووية التي تقدمها ” الوكالة الدولية للطاقـة الذريـــــــة ” في يوم من الأيام كافية لمنع العديد من الحوادث النووية في العديد من المفاعلات النووية وفي مجالات تخصيب اليورانيوم وصناعة الوقود النووي وتخزين الوقود النووي المستنفد؟؟؟

 وإني أتساءل أيضا في حال قيام المشاريع النووية في دولنا العربية فهل ” هيئة الطاقة الذرية العربية ” قادرة على القيام بدورها في وضع المواصفات الآمنة للمحطات النووية وإعداد خطط الطوارئ الإشعاعية للتعامل مع حوادث المفاعلات الإشعاعية وإعداد خطط أمان وأمن المشآت النووية وخطط التعامل مع الوقود المستنفد والمخلفات النووية, وغيرها من المجالات المرتبطة باستخدامات الطاقة النووية ؟؟؟.

ومن خلال مقالتي هذه أطرح العديد من أنواع الضمانات التي أجدها مفقودة في الغالب والتي يجب تواجدها في المشاريع النووية والتي ألخصها فيما يلي :

1- لاتوجد ضمانات كافية ضد الكوارث الطبيعية.

2- لا توجد ضمانات حقيقية عن مستوى قوة الكارثة الطبيعية.

3- لا توجد ضمان عن موقع بناء المفاعل النووي ” في مجال أعاصير أوحزام زلازل نشيط أو معتدل النشاط أو كامن “فهذه المعطيات الطبيعية ليست ثوابت ويمكن أن تتغير من حالة إلى أخرى دون سابق إنذار.”

4- لا توجد ضمانات حقيقية للأمور الفنية والتقنية .” وعلى سبيل الذكر ” فقد طلب وفد من الخبراء الروس فحص ” محطة فوكوشيما ” ورفضت السلطات طلبهم؛ مما جعل البعض يشك في وجود أسرار أو أخطاء فنية وتقنية لا تريد الجهات اليابانية الكشف عنها؛ ولهذا طالبت روسيا والصين من اليابان أن تتوخى الشفافية حول ما يحيط بمحطة فوكوشيما.

5- لا توجد ضمانات تكفل كفاءة التشغيل من قبل العنصر البشري من قبل المسؤولين عن المحطات النووية.

6- لا توجد ضمانات كافية عن كيفية التخلص من النفايات النووية.

7- لا توجد ضمانات كافية عن مدى تحمل الدولة لحصول أي كارثة في المفاعل النووي في حال وقوعها وما مدى تأثيرها على السكان والبيئة وكافة أشكال الحياة فيها وما مدى إستمرارها ” إذا علمنا بأن “كارثة محطة تشيرنوبل الروسية ” مازالت أثارها وعواقبها الضارة والخطيرة مستمرا منذ ” 25 ” عاما وإلى الأن ؟

ولهذا يرى الخبراء أيضا بأن تركيز شركات صناعة التكنولوجيا النووية العالمية في الفترة القادمة سيكون على الضمانات، أكثر منه على حجم الإنتاج وكميات الوقود وغيرها من الجوانب الأخرى ؟

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل توجد شركة ما لصناعة التكنولوجيا النووية قادرة على تحقيق تلك الضمانات السبعة التي ذكرتها ؟؟؟ والجواب بالطبع لا توجد ؟؟؟ وهذا ماسوف يبقي مشاريع الطاقة النووية دوما في قفص الإتهام كما سوف يبقيها بيننا مثل قنبلة نووية موقوتة لا نعرف متى سوف تنفجر ؟؟؟

ولكن هنالك من يرى بأن المشاريع النووية جاءت هربا من ارتفاع أسعار النفط والغاز والذي أدى إلى إحتدام الصراع الدولي وإلى مشاكل إقتصادية كبيرة للعديد من دول العالم الغير منتجة للنفط وعمل في إنهاك اقتصاديات الدول النامية والتحكم في قدراتها الصناعية ؟

هذا صحيح ؟ ولكن لماذا تتجاهل الدول الباحثة عن الطاقات النووية العديد من مصادر الطاقات الأخرى البديلة والتي تغنينا عن مخاطر الطاقة النووية والتلوث المريع الناتج عن طاقة البترول ومشتقاته والتي نجدها في الطاقات الخضراء مثل الطاقات المتجددة والنظيفة والتي تلائم كل دول العالم دون إستثناء وبخاصة دولنا العربية الغنية  بالرياح والشمس  والمياه و الطاقة الحيوية .. ؟ وتجربة ألمانيا هي أكبر مثال ودليل قاطع للجميع , فدولة ألمانيا بعد كارثة فوكوشيما قد قامت بإغلاق سبعة من مفاعلاتها النووية مع إنها من إحدى أكبر الدول في العالم التي تستخدم المفاعلات النووية في إنتاج الطاقة إلى جانب نسبة بسيطة من إستخدامها للطاقات المتجددة . ولكن بدأت منذ سنوات زيادة الإعتماد على الطاقات المتجددة والنظيفة والتي بلغت هذا العام بنسبة تزيد عن 20% وحديثا ومنذ أشهر تم الإعلان بأنه في عام 2025 ستكون كل الطاقة المنتجة في ألمانيا من الطاقة المتجددة فقط وخالية من الطاقة النووية التي تأمل كافة شعوب العالم دون إستثناء بالتخلص منها ؟