ماهي التنبؤات المستقبلية لبيئتنا ؟

ماهي التنبؤات المستقبلية لبيئتنا  ؟

 

الدكتور مجد جرعتلي

دكتور في العلوم الزراعية – اختصاصي تقانة حيوية       

نشر عالم المناخ ” Ken Caldeira  ” الذي يعمل في معهد كارنيگي العلمي لدائرة التنبؤ العالمي في جامعة ستانفورد. بحثا حديثا بعنوان ” تجربة المناخ الكبرى THE GREAT CLIMATE EXPERIMENT “في مجلة العلوم الأمريكية ( يناير – فبراير2013 / المجلد 29 ) يُحقق فيه بمسائل في غاية الأهمية تتعلق بمستقبل البيئة على كوكب الأرض وبنظم المناخ والكربون والطاقة , وكانت أدواته الأساسية في هذه البحوث نماذج دورة المناخ والكربون , والبحث الميداني في حموضة مياه المحيطات  والعديد من المواضيع التي تهم البيئة والتي سوف يعيشها سكان كوكبنا , وأحببت من خلال  موقعي ” دراسات خضراء ” أن يشاركني زوار وأصدقاء الموقع بقراءة هذا البحث الهام .

 

 تجربة المناخ الكبرى THE GREAT CLIMATE EXPERIMENT

إلى أي مدى يمكننا أن نستحث كوكبنا؟

عادة لا تتجاوز التنبؤات المستقبلية في مجالات الأعمال الاقتصادية أو البرامج الحكومية أو التقانة خمس أو عشر سنوات، ولكنها لا تزيد على 50 سنة. أما بين علماء المُناخ فهناك بعض الحديث الذي يدور عما سيصبح عليه المناخ في نهاية هذا القرن. وفي حقيقة الأمر، فإن ثنائي أكسيد الكربون الذي يُطرح في الغلاف الجوي الآن سيؤثر في كوكب الأرض مئات آلاف السنين فيما بعد.

 كيف ستغير غازات الاحتباس الحراري(1) greenhouse gases مستقبل الأرض في المدى البعيد؟ لا يستطيع أحد أن يتحدث بصورة مؤكدة عن كيفية استجابة الأرض لذلك، غير أن علماء مناخ – مستخدمين نماذج رياضياتية مبنية على معرفة بنظم مناخ سابقة وكذلك على معرفة شبكة الوِب المعقدة لسيرورات العمليات التي تُدمج المناخ وقوانين الفيزياء والكيمياء – يستطيعون التنبؤ بما سيصير عليه شكل كوكبنا.

وبالفعل بدأنا نرى المستقبل المُتصور لشكل الأرض تبعا للعديد من هذه النماذج. وكما كان متوقعا فقد حدث احترار فوق اليابسة أعلى منه فوق المحيطات، وهو احترار أعلى في القطبين منه قرب خط الاستواء، وفي الشتاء أعلى منه في الصيف، وفي الليل أعلى منه في النهار. كما أن هطول أمطار غزيرة صار ظاهرة أكثر شيوعا. أما في القطب الشمالي فقد أصبح الجليد والثلج يغطيان مساحة أصغر، وبدأت تربة الجمد السرمدي الغنية بغاز الميثان بالذوبان. وصار الطقس غير اعتيادي حيث تُغذى العواصف بتسخين إضافي.

ولكن ما هي الحدود النهائية لهذا التغيير الذي نتسبب به؟ يأتي أفضل مثال تاريخي من المناخ الذي ساد في        العصر الطباشيري(2) قبل 100 مليون سنة، عندما طوّق هواء رطب وحار جلود الدينوصورات وكائنات شبيهة بالتماسيح كانت تسبح في المياه القطبية الشمالية، وازدهرت الحياة النباتية في جو غني بثنائي أكسيد الكربون. فالاحتباس الحراري الذي يتشكل الآن ستكون له عواقب تدوم مئات آلاف السنين أو أكثر. ولكن سيكون تأثيرها العميق في البداية في معظم أشكال الحياة على كوكبنا، ولاسيما حياتنا نحن.

صحراء في إيطاليا A DESERT IN ITALY

أحد أكثر الأمور المشكوك فيها في مجال التنبؤ بالمناخ هو كمية ثنائي أكسيد الكربون التي ستنطلق في نهاية المطاف إلى الغلاف الجوي. وسأفترض في هذا المقال أن الحضارة الصناعية ستستمر بالنهج نفسه الذي تتبعه منذ 200 عام، وتحديدا بالنسبة إلى حرق الوقود الأحفوري بشكل متسارع حتى اللحظة التي لا نستطيع فيها استخراج هذا الوقود من الأرض.

فكم هي كمية ثنائي أكسيد الكربون التي بإمكاننا أن نطلقها في الغلاف الجوي؟ برأي الجميع، هناك نحو واحد كوادريليون طن متري (1021 غرام) من الكربون العضوي المحتبس بأشكال مختلفة في القشرة الأرضية. وحتى الآن لم نحرق سوى جزء من عشرين من واحد في المئة من هذا الكربون، أو نحو          2000 بليون طن متري من غاز ثنائي أكسيد الكربون.

ومع كل هذا الكربون المُحتبس في القشرة الأرضية، فإننا لن نفقد أبدا الوقود الأحفوري. فنحن الآن نستخرج البترول من الرمال القطرانية، والغاز الطبيعي من الطَّفَل الصفحي(3) shale المتشقق بقوة الماء. وكان يُظن أن هذين المصدرين لا يمكن استغلالهما تقانيا واقتصاديا. ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بثقة بالمدى الذي سنصل إليه في تحقيق أهدافنا بفضل براعتنا وإبداعنا. ومع ذلك فإن تكاليف الاستخراج والمعالجة ستكون في نهاية المطاف عالية بحيث يصبح سعر الوقود الأحفوري أعلى من سعر أي من المصادر البديلة للطاقة. وفي هذا السيناريو الذي نتصوره هنا، فإننا سنحرق في النهاية نحو واحد في المئة من الكربون العضوي المتوفر طيلة القرون القليلة القادمة. أي في المدى الذي تصبح فيه كمية الكربون العضوي المستخلصة مجدية أكثر في المستقبل القريب. وفضلا عن ذلك، نحن نفترض أن البشر في المستقبل سيتعلمون كيفية استخراج الوقود الأحفوري غير التقليدي، ولكنهم سيحرقونه بمعدلات أبطأ.


 

المستقبل القريب: تستمر الحضارة الصناعية بضخ كميات أكبر وأكبر من غازات الاحتباس الحراري كل سنة، مما سيؤدي إلى درجات حرارة أعلى ومحيط حامضي وطقس غير اعتيادي في نهاية هذا القرن.

ومن دون أي تغيير في عاداتنا، فإن الكرة الأرضية ستحتر بمقدار نحو خمس درجات سيلزية بحلول عام 2100، وذلك على الرغم من أن الاحترار الفعلي قد يكون نصف هذا المقدار أو ضعفيه، وذلك يعتمد بشكل أساسي، على كيفية استجابة الغيوم. وهذا التغيير هو تقريبا بمقدار الفرق بين المناخ الوسطي في بوسطن وهنتسفيل بولاية ألاباما.

وفي العروض الشمالية الوسطى بين خطي العرض       30 شمالا و60 شمالا – وهو شريط يشمل الولايات المتحدة وأوروبا والصين ومعظم كندا وروسيا – ينخفض متوسط درجة الحرارة السنوي بمقدار ثلثي درجة سيلزية مع كل زيادة بمقدار درجة واحدة في خطوط العرض. ويترجم كل احترار مقداره خمس درجات في القرن الواحد بحركة أحزمة الحرارة نحو القطب يزيد معدلها على 800 كيلومتر في تلك الفترة؛ أي بمعدل يزيد على 20 مترا كل يوم. وقد تتمكن السناجيب من مواكبة هذا المعدل، إلا أن أشجار البلوط وديدان الأرض يصعب عليها التحرك بمثل هذه السرعة.

وعندئذ ستكون هناك الأمطار. فالأرض ككوكب سيار هي آلة حرارية. إذ إن الشمس تُسخن الهواء في مناطق خط الاستواء فيرتفع ويبرد. ويؤدي هذا التبريد إلى تكثف بخار الماء في الهواء فيعود إلى الأرض على شكل أمطار، وهكذا يتشكل حزام الأمطار الغزيرة قرب خط الاستواء.

ومع ذلك فإن تكثف بخار الماء يؤدي أيضا إلى تسخين الهواء المجاور، مسببا رفعه بسرعة أكبر. وهذا الهواء الجاف والساخن يصل كتيار نفاث، وعندئذ ينتشر جانبيا نحو القطبين. وعندما يكون في الأعلى، يَشعُّ حرارة إلى الفضاء، فيبرد مما يؤدي إلى عودته نحو سطح الأرض. وتَمُرُّ أشعة الشمس عبر هذا الهواء الجاف، غير الغائم، فيشق طريقه نزولا ليُسخّن سطح المناطق القاحلة. وحاليا فإن هذا الهواء الجاف يحدث حول خط العرض 30 درجة شمالا وجنوبا مشكلا حزام الصحاري الكبرى الذي يطوّق الكرة الأرضية.

بسبب التسخين الناجم عن الاحتباس الحراري، يصير الهواء الجاف أكثر سخونة. ولذلك يحتاج إلى وقت أطول حتى يبرد ويهبط نحو سطح الأرض. وكنتيجة لذلك فإن أحزمة الصحاري هذه ستتحرك نحو القطبين.

وقد يتحرك مناخ الصحراء الكبرى نحو الشمال. وبالفعل، فإن جنوب أوروبا يعاني المزيد من حالات الجفاف على الرغم من ازدياد الهطولات الكلية في العالم مما قد يفقده مناخ البحر الأبيض المتوسط الذي كان يعتبر لمدة زمنية طويلة أفضل مناخ مرغوب به في العالم. وقد تقول أجيال في المستقبل الشيء ذاته عن مناخ الدول الاسكندنافية باعتباره سيصير أفضل مناخ مرغوب به في العالم.

وفي العروض الشمالية الوسطى، أصبحت فصول نمو النبات أطول. فالربيع يبدأ في وقت مبكر فتزهر النباتات ويذوب جليد البحيرات وتعود الطيور المهاجرة قبل الوقت الذي اعتادت أن تعود فيه.

ولن يكون ذلك هو الفائدة الوحيدة للزراعة في كندا وسيبيريا. فالنباتات تصنّع الطعام مستخدمة الطاقة المستمدة من أشعة الشمس لدمج ثنائي أكسيد الكربون والماء. وفي معظم الأحوال تمتص النباتات ثنائي أكسيد الكربون من خلال مسامات على سطح أوراقها تُدعى الثُّغيرات(4). وعندما تنفتح الثُّغيرات على مداها يتمكن النبات من امتصاص الكثير من غاز ثنائي أكسيد الكربون، ولكن كمية كبيرة من الماء تتبخر عبر هذه الفتحات. ويعني تركيز غاز ثنائي أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أن بإمكان نبات ما أن يحصل على ما يحتاج إليه من غاز ثنائي أكسيد الكربون عن طريق فتح مسام الأوراق بشكل ضئيل أو حتى عن طريق بناء عدد أقل من المسامات في أوراقه. وفي عالم يحتوي غلافه الجوي على كمية كبيرة من غاز ثنائي أكسيد الكربون، تتمكن النباتات من زيادة نموها مستخدمة الكمية نفسها من الماء. (هذا النقصان في التبخر من النباتات يؤدي أيضا إلى نقص إضافي في الهطولات. ونظرا لأن التبخر يُسبب التبريد فإن النقص في التبخر يؤدي إلى مزيد من الاحترار.)

لكن لا يجري الشعور بهذه المكاسب في كل مكان. ففي المناطق الاستوائية تؤدي درجات الحرارة المرتفعة بالفعل إلى تعريض الكثير من المحاصيل الزراعية للخطر. ومن المحتمل أن يزداد هذا الإجهاد الحراري للنباتات سوءا مع الاحترار العالمي global warming، ويمكن أن يكون المشهد المتوقع عبارة عن زيادة كلية في إنتاج المحاصيل بحيث تتجاوز الزيادات في الشمال نقص الإنتاج في المناطق القريبة من خط الاستواء. ومع أن الاحترار العالمي ربما لا يؤدي إلى نقص في مجمل الإنتاج العالمي للغذاء إلا أنه قد يوفر الكثير للأغنياء والأقل للفقراء.

محيطات من التغيير  OCEANS OF CHANGE

تقاوم المحيطاتُ الشاسعةُ التغييرَ، غير أنها ستتغير. فلم يحدث في أي وقت من الأوقات في ماضي الكرة الأرضية – مع احتمال استثناء حادثات الفناء الجماعي – أن تغيرت كيميائيات مياه المحيطات بالقدر وبالسرعة التي يتوقع العلماء أن تتغير بها في العقود القادمة. فعندما يجري امتصاص ثنائي أكسيد الكربون في مياه المحيطات فإنه يتفاعل مع هذه المياه ليكوّن حمض الكربونيك الذي يمكنه عندما يكون في تركيز عال كفاية أن يتسبب في ذوبان أصداف وهياكل الكثير من المتعضيات البحرية          marine organisms، ولاسيما تلك التي بنيت بشكل من أشكال كربونات الكالسيوم القابل للذوبان في سائل والمعروف باسم الأراغونايت(2).

ويقدر العلماء أن أكثر من ربع   الأنواع البحرية marine species تقضي جزءا من حياتها في الحيود البحرية المرجانية. وتتكون هياكل المرجان من معدن الأراغونايت. ولكن، حتى ولو لم تتدهور الأوضاع الكيميائية إلى النقطة التي تذوب فيها هذه الهياكل فإن تحميض مياه المحيط يمكن أن يزيد من الصعوبة التي تواجهها هذه المتعضيات في بنائها لهياكلها. وفي غضون بضعة عقود من الزمن لن يبقى هناك مكان في المحيط يسود فيه ذلك الوضع الكيميائي المناسب الذي أتاح نمو الشعاب المرجانية في الماضي الجيولوجي. وليس من المعروف عدد ما سيختفي من هذه الأنواع الحية المعتمدة على المرجان مع اختفاء الحيود البحرية المرجانية.

مثل هذه التغيرات الكيميائية ستؤثر تأثيرا مباشرا جدا في حياة المرجان، غير أن من الحكمة أن نعتبر أن التغيرات الفيزيائية تجري في مجراها الطبيعي. فالماء أساسا يتصرف مثل الزئبق في ميزان الحرارة، فكلما ازدادت الحرارة ارتفع مستوى الزئبق في الميزان. والبحر بدوره يُغذَّى بالمياه المحتجزة في المسطحات الجليدية.

وفي الأزمنة الغابرة، عندما كان ثنائي أكسيد الكربون مرتفعا في الجو، ازدادت درجة حرارة الكرة الأرضية بما يكفي للحيوانات الشبيهة بالتماسيح لأن تعيش في شمال الدائرة القطبية الشمالية. فقبل نحو 100 مليون سنة تقريبا وصل معدل درجة الحرارة السنوي في القطب إلى 14 درجة سيلزية مع درجة حرارة في فصل الصيف تجاوزت      25 درجة سيلزية. وعلى مدى آلاف السنين كانت درجة الحرارة على هذا المستوى كافية لإذابة المسطحات الجليدية الكبرى في گرينلاند والقارة المتجمدة الجنوبية (انتراكتيكا). وبذوبان هذه المسطحات بشكل كلي، صار مستوى سطح البحر أعلى بـ120 مترا، فغمر مناطق شاسعة من اليابسة. وقد أدى وزن ذلك الماء فوق المناطق المنخفضة من القارات إلى دفعها أكثر إلى الأسفل مسببا          تراكب lap المياه حتى إلى مستويات أعلى.

عُجالة سريعة

المناخ: ماضيه كمستقبله Climate: Past as Future

           على فرض أننا سنستمر بحرق الوقود الأحفوري بإرادتنا، مطلقين غازات الاحتباس الحراري مثل ثنائي أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي دون انقطاع، فعند ذلك، سوف تحدث في كوكبنا تحولات مناخية. وبالفعل فقد ارتفعت درجات الحرارة العالمية حتى الآن بمقدار درجة واحدة سيلزية تقريبا – وأكثر من ضعفي ذلك في القطب الشمالي. ويمكن أن يرتفع معدل درجات الحرارة في آخر المطاف بمقدار 10 درجات سيلزية، أي بما يكفي لإذابة كميات هائلة من المياه المحتجزة على شكل جليد في مجلدات گرينلاند والقارة المتجمدة الجنوبية، ويمكن أن تُحرر كميات كافية من المياه لرفع مستوى سطح البحار بمقدار 120 مترا. كما أن تركيزات ثنائي أكسيد الكربون في الغلاف الجوي سوف تصل إلى مستويات خَبِرَتْها الكرة الأرضية آخر مرة في العصر الطباشيري، عندما جابت الدينوصورات الأرض وانقسمت أمريكا الشمالية إلى قسمين ببحر داخلي هائل، وسكنت كائنات حية تشبه التماسيح القطبين الشمالي والجنوبي.

ومن المتوقع أن ترتفع درجة الحرارة في القطبين أسرع من ارتفاعها في الكرة الأرضية ككل بمرتين ونصف المرة. وبالفعل، فقد ارتفعت درجة حرارة القطب الشمالي أسرع من ارتفاعها في أي مكان آخر بمقدار درجتين سيلزيتين، في حين ارتفعت في سائر أنحاء الكرة الأرضية 0.8 درجة سيلزية. وفي نهاية العصر الجليدي الأخير، عندما احتر المناخ قرابة خمس درجات سيلزية عبر آلاف السنين، ذابت المسطحات الجليدية بمعدل أدى إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو متر واحد في كل قرن. ونحن نتمنى ونتوقع ألا تذوب المسطحات الجليدية هذه المرة بسرعة أكبر، غير أننا لسنا متأكدين من ذلك.

  

المستقبل البعيد: إذا استمرت انبعاثات غاز الاحتباس الحراري من حرق الوقود الأحفوري دون انقطاع فإن مستويات سطح البحر قد ترتفع بمقدار 120 مترا، وتصبح المناطق القطبية أكثر دفئا بكثير. وسيكون على أي حضارة بشرية – إن وجدت في ذلك الزمن – أن تتكيف مع هذه الأوضاع.

تعقب كوكب الزُّهرة CHASING VENUS  

عبر ملايين السنين تذبذب مناخ الأرض مسببا تقدم المسطحات الجليدية الكبرى وتراجعها. وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي نتسبب بها نحن بني البشر، ستضرب بقوة هذا النظام المعقد. وقد عرضت شخصيا سيناريو يتطور فيه مناخنا بشكل لطيف، إلّا أنه قد تحدث قفزات وبدايات يمكن أن تهز النظم الحيوية والاجتماعية والسياسية أبعد من قدرتها على التكيف.

لنعتبر أن الاحترار القطبي        Arctic warming قد يمكنه أن يتسبب بإطلاق مئات بلايين الأطنان المترية من غاز الميثان إلى الغلاف الجوي من طبقات الرواسب البحرية والتربة القطبية. وجزيء لجزيء في الفضاء، فإن جزيء الميثان له قدرة على احتباس الحرارة أكبر بـ37 مرة من قدرة جزيء ثنائي أكسيد الكربون. فإذا تحرر هذا الميثان فجأة، كما يمكن أن يكون قد حصل في احترار حدث قبل     35 مليون سنة والمعروف باسم «احترار الباليوسين أيوسين الأعظم» فإننا يمكن أن نعاني حقا احترارا كارثيا. ولكن على أي حال، فهذا الخطر بعيد الاحتمال حسب رأي معظم العلماء.

ويرى بعض العلماء أن تأثيرات التغذية الراجعة (الممتدة)، كذوبان الجليد السرمدي، يمكن أن تسبب انطلاقة سريعة لسيناريو الاحتباس الحراري، وذلك حين تصبح المحيطات حارة إلى درجة التبخر. ونظرا لأن بخار الماء هو في حد ذاته غاز من غازات الاحتباس الحراري، فإن مثل هذه الدورة من التبخر المائي يمكنها أن تسخن الكرة الأرضية إلى درجة يبقى معها بخار الماء في الغلاف الجوي من دون أن يتحول أبدا إلى مطر، وفي هذه الحالة، فإن غاز ثنائي أكسيد الكربون المنطلق من البراكين وغيرها من المصادر سيستمر بالتراكم في الغلاف الجوي. وستقوم الأشعة الكونية بفصل جزيئات بخار الماء على ارتفاعات عالية إلى أكسجين وهدروجين، وعندها سيفلت الهدروجين إلى الفضاء الخارجي ويتحول مناخ الكرة الأرضية إلى حالة تذكرنا بمناخ كوكب الزُّهرة، جار كوكبنا.

ولحسن الحظ، فإن خطر تبخر مياه المحيطات، نتيجة للانبعاثات الحالية لغازات الاحتباس الحراري، ليس بالخطر المحتمل حدوثه حتى في المدى الزمني البعيد. ببساطة، لأن هناك حدودا لمقدار غاز ثنائي أكسيد الكربون الذي يستطيع تسخين كوكب الأرض إلى ما يكفي لتبخر تلك المياه. فعندما يرتفع تركيز غاز ثنائي أكسيد الكربون وبخار الماء بما فيه الكفاية، فإن جزيئاتهما تزيد من بعثرة أشعة الشمس، مما يحول دون أي زيادة أخرى في التسخين.

وعلى أي حال، إذا استمرينا بحرق الوقود الأحفوري، فإن تركيز غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي سيصل إلى المستويات التي كانت عليها في العصر الطباشيري. ففي ذلك العصر فاضت البحار القارية إلى مناطق شاسعة من القارات فوق كوكب الأرض الحار والرطب. حينذاك سبحت الزواحف العملاقة في المحيطات وتغذت الدينوصورات فوق اليابسة بنباتات وافرة النمو. وإذا أحرقنا واحدا في المئة فقط من الكربون العضوي الموجود في قشرة الأرض في غضون القرون القليلة القادمة، فسوف يتنفس البشر نفس تركيزات ثنائي أكسيد الكربون التي استنشقتها الدينوصورات، كما سيعانون درجات حرارة مشابهة.

وبمقارنته بالتسخين التدريجي الذي حدث في الماضي نتيجة لمفعول المستدفأ(6)، فإن التغييرات المناخية الحالية الناجمة عن الحقبة الصناعية تحدث بسرعة. ففي التاريخ الجيولوجي، كان الانتقال من جو يحتوي على القليل من غاز ثنائي أكسيد الكربون إلى جو يحتوي على كميات كبيرة منه، حدث على نحو نموذجي، بمعدل يقل عن 0.00001 درجة في السنة الواحدة. ولهذا، فإننا نعمل على إعادة تكوين عالم الدينوصورات بسرعة أكبر بخمسة آلاف مرة.

ولكن ما الذي سوف يزدهر في هذا المستدفأ؟ بعض المتعضيات كالجرذان والصراصير ستتحول إلى جحافل اجتياحية متعددة الكفاءات بإمكانها استغلال هذه البيئات الفوضوية. أما بالنسبة إلى متعضيات أخرى كالمرجان والعديد من الأنواع التي تعيش في غابات المناطق الاستوائية، فكانت قد تطورت لتزدهر في نطاق ضيق من الأحوال المناخية. ويحتمل أن تتغير الأنواع الحية العدوانية في مثل هذه البيئة الناجمة عن الاحترار العالمي. وقد يُؤذِن التغير المناخي باقتراب تحول العالم إلى عالم أعشاب ضارة.

والحضارة البشرية هي في خطر أيضا. وكمثال لندخل في اعتبارنا شعب المايا، فقبل وصول الأوروبيين كانت حضارة المايا قد بدأت بالانهيار بسبب تغيرات طفيفة نسبيا في المناخ. إذ إن شعب المايا لم يكن قد طور ما يكفي من الاستعدادات للتكيف مع الطقس الذي تناقصت فيه كميات الأمطار. وشعب المايا ليس المثال الوحيد للحضارات التي أخفقت في التأقلم مع تغير المناخ.

ومن المحتمل أن تكون الأزمات التي يثيرها التغير المناخي أزمات إقليمية. فإذا ازداد الغنيُّ غنى والفقير فقرا، فهل سيحرك ذلك هجرات جماعية تتحدى الاستقرار السياسي والاقتصادي؟ كما أن بعض البلدان التي من المرجح جدا أن تعاني التغيرات التي يتسبب بها الاحترار العالمي هي نفسها التي تفاخر بأسلحتها النووية. فهل بإمكان التغير المناخي أن يفاقم التوترات القائمة ويثير نزاعات نووية أو نزاعات رهيبة أخرى؟ فالاستجابة الاجتماعية لتغير المناخ قد تؤدي إلى حدوث مشكلات كبرى للبشرية أكبر من مشكلة تغير المناخ بحد ذاتها.

عود على بدء STARTING OVER  

لقد ماتت النباتات الشجرية التي ازدهرت في العصر الطباشيري وتحول بعضها إلى فحم عبر الزمن الجيولوجي. وانتهت   العوالق البحرية(7) بأن دفنت في الرسوبيات وتحول بعضها إلى نفط وغاز طبيعي. وبَرَدَ المناخ عندما احتجزت الأحياء البحرية غاز ثنائي أكسيد الكربون في أصدافها وهياكلها.

وستمتص المحيطات معظم ما نطلقه من غاز ثنائي أكسيد الكربون مما سيتسبب في تحميض مياهها، ومن ثم انحلال المواد الكربونية غير العضوية. وستسمح التأثيرات الكيميائية لانحلال هذه المواد لمياه المحيطات بامتصاص المزيد من ثنائي أكسيد الكربون. وعلى الرغم من ذلك فإن تركيزات هذا الغاز في الغلاف الجوي ستبقى أعلى بكثير من المستويات التي كانت عليها قبل الحقبة الصناعية الحالية والتي تبلغ 280 جزءا في المليون للعديد من عشرات آلاف السنين. وكنتيجة لذلك سيتوقف انحسار وتقدم العصور الجليدية الذي تُسببه التقلبات الطفيفة في مدار الكرة الأرضية. وهكذا، فإن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي يتسبب بها الإنسان ستحافظ على احتجاز كوكب الأرض في          مستدفأ hothouse

ومع مرور الزمن، سوف يسارع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الهطولات المطرية من معدل ذوبان صخر الأديم(8) والتربة. وستقوم الجداول والأنهار بنقل هذه الصخور والمواد الكربونية غير العضوية المذابة والمحتوية على عناصر مثل الكالسيوم والمغنيزيوم إلى المحيطات. وربما بعد مئات آلاف السنين من الوقت الحاضر ستقوم بعض المتعضيات البحرية بأخذ الكالسيوم وثنائي أكسيد الكربون لتكوين أصداف كربوناتية. وفي آخر المطاف قد تصير هذه الأصداف البحرية وملايين الأصداف الأخرى أحجارا جيرية. وكما أن الجروف البيضاء(9)   White Cliffs في منطقة دوڤر في إنكلترا هي من بقايا الغلاف الجوي الذي كان سائدا في العصر الطباشيري، فإن معظم الكربون الموجود في الوقود الأحفوري الذي يجري إحراقه هذه الأيام سيصبح طبقة في مثل هذه الصخور، لتكون بمثابة سجل مكتوب في الصخر لعالم غَيّره نوع واحد من الكائنات الحية.

شرح لبعض المصطلحات العلمية التي وردت في المقالة :

 (1) أو: غازات الدفيئة.

(2) Cretaceous Period = العصر الطباشيري، وهو العصر الثالث والأخير من الدهر الوسيط.

(3) Shale = الطَّفَل الصفحي: صخر متشكل من صلصال أو طين ويتميز بسهولة انفلاقه إلى طبقات. (التحرير)

(4) stomata جمع stoma ثُغير أو فتحة صغيرة في أدمة النبات شبيهة بالفم شكلا أو وظيفة. (التحرير)

(5) Biomass

(6) hothouse = مستنبت زجاجي عالي الحرارة وبخاصة لإنتاج النباتات الاستوائية.

(7) Plankton: العوالق: كائنات حيوانية أو نباتية صغيرة معلقة أو طافية في المياه.

(8) Bedrock: صخر الأديم: الصخر الصلد الواقع تحت التربة.

(9) منحدرات صخرية شاهقة وبخاصة عند الشواطئ. (التحرير)