الزراعة العضوية العامل الأول لإزدهار الصادرات الزراعية وحماية صحة الإنسان والبيئة

الدكتور  مجد جرعتلي

لم يعد يخفى على أحد حجم المشاكل والأضرار الكبيرة التي تنتج من إستخدام الأسمدة والمبيدات الحشرية الكيميائية المصدر في الإنتاج الزراعي والتي تنعكس سلبا بشكل مباشر أو غير مباشر على صحة الإنسان  وكافة أشكال الحياة والبيئة.

فكما نعلم أن لتلك المواد الكيميائية المصنعة والدخيلة على البيئة والطبيعة أثارا خطيرة تبقى في خضارنا وفواكهنا  وغذاؤنا الذي نتاوله كل يوم وهذا مايسبب  لنا العديد من الأمراض والمشاكل الصحية الخطيرة عاجلا أم أجلا .

ولقد إتخذت كافة الدول المتقدمة وأغلب دول العالم  قراراتها الصارمة  بمنع إستيراد أي محصول زراعي من حبوب أو خضار أو فواكه  أو مواد غذائية مصنعة  تظهر فيها بعد تحليلها  في مخابرها أي أثار للأسمدة الكيميائية  أوالمبيدات الحشرية الكيميائية  مع السماح بدخول وإستيراد المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية  المنتجة بطرق الزراعة العضوية فقط.

وتنتج المحاصيل الزراعية و المواد الغذائية العضوية  بالطرق الطبيعية من دون إستخدام أي مبيدات أو أسمدة  كيميائية أو هرمونات أو مواد أخرى مصنعة, بل بإستخدام الأسمدة  والمبيدات العضوية والطبيعية  المنشأ.

والإقبال الكبير على شراء المحاصيل الزراعية  العضوية المصدر هي دليل على زيادة الوعي الصحي عند المستهلكين كما إنها أفضل سبيل لتشجيع المزارعين على اعتماد طرق الزراعة العضوية  والتوقف عن نشر السموم في الأرض وفي مصادر المياه وفي الطعام الذي نتناوله والذي غدى بلا طعم ولا رائحة  وقد بات المصطلح ” منتج عضوي” علامة  تجارية تحميها القوانين الدولية ودليل وعي ورقي . وهو يعني أن المنتج تم تحليله بدقة من قبل هيئة مراقبة مستقلة وأنه خالي من أي أثار للمواد الكيميائية الفتاكة .

وقد تكون كلفة المنتجات العضوية أكثر بقليل من المنتجات العادية على المدى القصير. ولكن الكلفة الطويلة المدى للزراعة الغير عضوية  هي باهظة على صحتنا وصحة أجيالنا  وعلى البيئة  ولا تقدر بثمن .. ولكن لا يزال من الضروري أن تقوم الدول والشركات على تشجيع إقامة الزراعات العضوية بإعطاء القروض المالية وبرامج التوعية والإرشاد عن أهمية وفوائد تلك الزراعة  وتأمين البدائل من الأسمدة والمبيدات الطبيعية المنشأ وعدم إستيراد ماهو ضار أو محرم دوليا  , بالإضافة إلى تشجيع  المتاجر أو الأسواق المركزية و المحلية على عرض المحاصيل و الطعام العضوي والمداومة على شراؤه دون سواه.

ولقد حثت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “فاو” دول العالم الثالث و الدول الفقيرة  على تشجيع الزراعات العضوية و زيادة صادراتها من المحاصيل الزراعية و المنتجات الغذائية العضوية للإستفادة من ازدهار أسواقها وبشكل خيالي في العالم المتقدم. وذكرت المنظمة في دراسة أقامتها “بأنه سوف يرتفع الإنتاج المحلي من المنتجات العضوية في الدول المتقدمة في السنوات القليلة المقبلة، لكن من المستبعد أن يغطي الطلب المتزايد على هذه المنتجات”.

وقالت الدراسة “بينما يتوقع أن يظل الطلب على المنتجات العضوية الطازجة أكبر من الإنتاج في الدول المتقدمة سيستلزم الأمر اللجوء إلى الإستيراد  لتلبية طلب المستهلكين”. وأشارت الدراسة إلى نمو سريع لمبيعات الفاكهة والخضراوات العضوية في أغلب الدول المتقدمة.و أن قيمة المبيعات تزايدت في أغلب الأسواق بمعدلات سنوية تتراوح بصفة عامة بين 20 و30% في السنوات الماضية من عقد التسعينيات في القرن الماضي.

و أن معدلات النمو كانت دوما في إزدياد . وقالت ” الفاو”  إن الدول النامية القريبة أكثر من غيرها للدول المتقدمة لديها أفضل فرصة في زيادة مبيعاتها من المحاصيل الزراعية و المنتجات العضوية مثل دول منطقة البحر المتوسط بالنسبة للاتحاد الأوروبي. وهذا يعتبر من الأمور المشجعة لتلك البلدان وخاصة الدول العربية منها  في الإتجاه إلى الزراعات العضوية وتحقيق المرابح الكبيرة في بيع صادراتها من تلك المحاصيل والتي في الغالب لا تجني من زراعتها في بلدانها  ولا حتى أجور قطافها

وتعتبر أعلى قيمة لمبيعات المحاصيل الزراعية و الأغذية العضوية في عام 2000 سجلت في الولايات المتحدة وبلغت ثمانية مليارات دولار وتلتها ألمانيا 2.1 مليار دولار ثم بريطانيا 986 مليون دولار وإيطاليا 978 مليون دولار. وفي فرنسا وصل مجموع التداول في المحاصيل الزراعية العضوية إلى 2.6 بليون دولار عام 2003م .

والزراعة العضوية لا تلقى قبول فقط في الدول المتقدمة بل تنمو بسرعة في جميع دول العالم. وتعطى بيانات الإنتاج العضوي في بعض الدول مؤشراً على مدى سرعة انتشار الزراعة العضوية لما تحققه من أرباح طائلة . ففي ألمانيا مثلا حوالي 000ر80 مزرعة (عام2000/2001 م) رغم الضغوط التي تمارسها عليها  شركات الأسمدة والمبيدات الكيميائية الزراعية, وفي سويسرا وصلت نسبة المساحة المزروعة عضوياً بحوالي 7%. وفي النمسا يوجد حوالي 000ر20مزرعة تمثل 10% من المساحة المزروعة الكلية وفي بعض المناطق مثل سالزبورج وصلت النسبة إلى حوالي 50%. أما السويد وفنلندا فالمساحة 7 % وإيطاليا زاد بها عدد المزارع من 18.000 مزرعة  إلى 30.000 في عامي 2001/2002 م وهناك برامج للزراعة العضوية للقطن العضوي  لدولة أوغندا  بدأت بالعشرات من المزارع العضوية وصلت الآن إلى 700 مزرعة . وفي المكسيك حوالي 10.000 مزرعة للإنتاج العضوي المعد للتصدير الخارجي  . وفي مصر الآن العديد من المزارع العضوية  تصل مساحتها  إلى ما يزيد عن 15.000 فدان , كذلك خطت  دول مجلس التعاون الخليجي خطوات جيدة في نشر الوعي الزراعي والبيئي و تشجيع  إقامة المزارع  العضوية وإعطاء التراخيص اللازمة لتلك المزارع.

ومما سبق نستنتج أن الزراعة العضوية غدت في أولويات برامج الدول والشركات الكبيرة ليس فقط بما تحققه من مرابح  بل لأهداف أغلى  بكثير وهي حماية صحة الإنسان وحماية بيئتنا الأم.