خسارة المانجروف ” MANGROVE ” بين التغيرات البيئية وتعديات الإنسان

_mangrove

 

خسارة المانجروف ” MANGROVE ” بين التغيرات البيئية وتعديات الإنسان


الدكتور مجد جرعتلي *

* دكتور في العلوم الزراعية – خبير في الإكثار النسيجي للمنجروف وإعادة إستزراعه.  

غابات المانجروف “  mangrove woods ” ليست مجرد غطاء نباتي أخضر جميل تتوشح بها الشواطئ البحرية فتزينها بل إنها منظومة حيوية متكاملة تشكل نظام بيئي بديع الخلق تجمع فيه ألاف الكائنات الحية وتعطينا العديد من الفوائد البيئية والإقتصادية التي لاتحصى ومع ذلك نجد بأن تلك النباتات النبيلة قد وقعت ضحية بين فكي التغير البيئي والتلوث من جهة وبين تعديات وإهمال الإنسان من جهة ثانية , فلم تنجوا هذه الغابات من الأضرار التي لحقت بها في العديد من الدول العربية التي تنتشر بها وفي عدة مناطق على سواحل الخليج العربي  في كل من المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة ، وسلطنة عمان و على شواطيء البحر الأحمر فى كل من المملكة العربية السعودية ومصر واليمن ؟؟؟


إن بيئة المانجروف “  mangrove environment” هي وحدة خاصة ومتكاملة ودقيقة تشكل نظام بيئي يتفاعل مع المنظومة البيئية العالمية مهيأة للعيش والتكاثر مع مجموعة من الكائنات الحية العديدة والمحددة نوعياً وكمياً وبحسب الظروف المناخية ولا يمكن عزل كل من التغيرات البيئية والتلوث عن تأثيرها بتلك البيئة الفريدة أو غيرها من البيئات النباتية الشاطئية فكل الكائنات النباتية  مهما كانت صغيرة مثل البلانكتون النباتي plankton plant أم كبيرة مثل السكويا العملاقة Sequoiadendron giganteum قد تأثرت سلبا وأصبح واجبا علينا حمايتها ؟
فكما هو معلوم أنه لا يوجد أي كائن حي بدون بيئة، و لا توجد بيئة بدون كائن حي. فلا الكائن الحي ولا البيئة يكوّن أحدهما نسقاً مغلقاً بل كل منهما مفتوح على الآخر، فالعلاقات بين الكائنات الحية مهما كان جنسها أو نوعها تشكل مع البيئة علاقة متشابكة ومتداخلة ومتغيرة ولا يمكن الفصل بينهما بأي شكل من الأشكال ؟ وهذا ينطبق على الإنسان والحيوان والنبات وباقي كافة الكائنات الحية دون إستثناء ؟
وكما ذكرت فإن التغيرات البيئية الحادة مع كافة أنواع التلوث الذي لحق بكرتنا الأرضية الأم قد أصاب بالأذى البيئة النباتية ومحتواها من كافة المزروعات والنباتات المزروعة من قبل الإنسان ولقد نالت النباتات البرية القدر الأكبر من الأذي والإهمال من قبل الإنسان نفسه ؟؟؟

صور عديدة توضح التعديات الحاصلة من قبل الإنسان على غابات المانجروف

إن التغير في الظروف الطبيعية والبيئية مع التدخل المباشر الغير مسؤول للإنسان في بيئة المنجروف بشكل خاص أدت إلى إختلال التوازن البيئي النباتي ككل ، فتغير المعالم الطبيعية من تجفيف ورصف للشواطئ والبحيرات، والسدود، وإقتلاع الغابات، وردم المستنقعات، والإستثمار السياحي للشواطئ والغابات والجبال والقيام بعمليات الردم والبناء وفتح الشوارع  وتزايد النفايات الصلبة والسائلة والغازية والتلوث بالنفط بشكل هائل والإحتباس الحراري المبيدات والأسمدة الكيميائية السامة كلها أسباب خطيرة تؤدي الى إخلال حاد بالتوازن البيئي النباتي .

لا يمكن إحصاء الفوائد الإقتصادية والبيئية لأشجار المانجروف ( فوق سطح الماء وتحت سطح الماء)

إن كانت العلاقة بين بيئة المانجروف Mangrove Ecology والظروف البيئية لكل منطقة تنمو فيها هذه النباتات مستمرة ومرتبطة إرتباطا وثيقا وترتبط بكافة العمليات الحيوية والكيميائية والفيزيائية في النباتات نفسها من نمو وإزهار وإثمار وإن كانت لهذه النباتات القدرة على تعديل بعضا من هذه العمليات فهذا لا يعني أنها سوف تنتصر بالنهاية على كل من التحديات البيئية والتلوث بل سوف تكون هي الخاسرة وهذا ما نلحظه على أرض الواقع من تناقص المساحات المزروعة بالمانجروف يوما بعد يوم  وبحسب دراسةٍ أصدرتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة عن تقييم حالة مناطق المنجروف في العالم وهي بعنوان “المنجروف في العالم مابين عامي ، 1980-2005″، فقد أكدت بأن العالم قد فقد نحو 3.6 مليون هكتار من أحراج المانجروف منذ عام 1980، أي ما يعادل 20 بالمائة من مجموع رقعة هذا النوع. كما كشفت الدراسة أن الرقعة الكليّة التي تغطيها أحراج المانغروف انخفضت من 18.8 مليون هكتار عام 1980، إلى 15.2 مليون هكتار بحلول عام 2005.
وهنالك أنواع من هذه النباتات وللأسف قد سجلت في قائمة النباتات الشبه منقرضة أو المنقرضة  , إن نباتات المنجروف تعتبر كالأم الحنون التي ترعى وتخدم حولها المئات بل الألاف من الكائنات الحية ومن كافة الأجناس والأنواع فوق أغصانها وتحت أغصانها وتحت سطح الماء ومع ذلك لم تلق حتى أقل التقدير والعناية والحماية في العديد من دولنا العربية التي تنمو بها تلك الأشجار النبيلة والتي لاتقدر بثمن وإن خسارة أشجار المانجروف ستكون لها آثار مدمرة وخطيرة على الإقتصاد والبيئة لتلك الدول..

صور تظهر إقتلاع ورمي أشجار المنجروف

صور توضح التدهور الحاصل بالمانجروف في إحدى شواطئ الخليج العربي

ومن خلال دراستي لعدة مواقع ينمو بها القرم , المانجروف الرمادي (Avicenna marina).تم مشاهدتي للعديد من الأسباب السلبية التي ألحقت الضرر الكبير بالمانجروف والتي تعزى إلى أسباب متعددة ولكن يمكن تقسيمها إلى سببين رئيسيين الأول ناتج عن التغير البيئي والتلوث والسبب الثاني ناتج عن أعمال الإنسان الغير مسؤولة والتي أدت إلى تدهور كبير في أشجار المنجروف .وفيما يلي ألخص هذه الأسباب والأضرار الناتجة عنها :
1.    الأسباب الناتجة عن الظروف البيئية والمناخية :

  • •    بطئ شديد في النمو الخضري .
  • •    التأخر في تشكل النموات الحديثة .
  • •    ضعف وتقزم المجموع الخضري .
  • •    إنخفاض في عدد الأفرع الزهرية.
  • •    ضعف وتقزم النموات الزهرية.
  • •    جفاف الأزهار وتساقطها.
  • •    عدم الوصول إلى مرحلة العقد البذري وتشكل البذرة .
  • •    إنتاج بذور صغيرة جدا.
  • •    إصابة النباتات والبذور بالحشرات والآفات .
  • •    عدم تمكن البذور من الإنبات.

2.    الأسباب الناتجة عن أفعال الإنسان :
هنالك العديد من الأسباب والتجاوزات الناتجة عن أفعال الإنسان وعن نشاطاته الغير مدروسة والغير مسؤولة والتي ألحقت الضرر الكبير بمساحات واسعة من غابات القرم ” المانجروف ” في العديد من دولنا العربية التي تنتشر فيها هذه النباتات وفيما يلي أذكر بعضا من هذه التجاوزات :

  • •    إحتلال شواطئ وأماكن تواجد غابات المانجروف وتحويلها إلى أبنية وشوارع وأرصفة إسمنتية .
  • •     الردم والتجريف وإقتلاع مواقع عديدة من شواطئ ومناطق تواجد القرم ( المانجروف ).
  • •    التلوث الناتج عن الأعمال المرتبطة بإستخراج البترول والغاز ..
  • •    التغير في طبيعة الشاطئ والخيران والذي يمنع من حركة المياه وتجددها.
  • •    العبث من قبل الإنسان بمناطق تواجد ونمو القرم ( المانجروف ).
  • •    رعي القرم ( المانجروف ) من قبل الجمال…
  • •    إحتطاب وإقتلاع كميات كبيرة من القرم ( المانجروف ).
  • •    رمي المهملات والفضلات في مناطق تواجد ونمو القرم ( المانجروف ).

3.    الأخطاء المشاهدة في عملية إنتاج الأشتال البذرية وفي عمليات الإستزراع :

  • •    إختيار طريقة الإكثار بالبذور دون سواها من الطرق الحديثة .
  • •    الفقد الكبير بالأشتال البذرية المنشأ بعد زراعتها في الموقع .
  • •    عدم الدراسة الكاملة للطريقة الملائمة لزراعة المواقع المتضررة من حيث عدة أمور هامة وهي :
  1.  دراسة الظروف البيئية لموقع الإستزراع .
  2.  دراسة نوعية وعمق التربة وتأثرها بعمليتي ( المد والجذر …).
  3.  دراسة عمق زراعة الأشتال ( زراعة سطحية , عميقة , تحت سطح الماء …).
  4.  دراسة أساليب حماية الأشتال من الفقد  ..
    • •    عدم الإختيار المناسب للأصص المزروعة بها الأشتال المنقولة .
    • •    عدم كفاية الأشتال المزروعة في المواقع المتضررة .
    • •    عدم مراقبة ورعاية وصيانة الأشتال المزروعة في المواقع المتضررة .

وكل هذه الأسباب السابقة أدت إلى إرتفاع نسبة الفقد في الأشتال البذرية المزروعة وبصورة كبيرة والتي كانت تصل إلى معدل يتراوح مابين 60- 80% .
بالإضافة إلى مشاهدتي إلى إجتماع العديد من المسببات البيئية مع الأسباب الناتجة عن فعل الإنسان السابقة الذكر في مواقع متعددة وهذا ما أدى إلى كوارث حقيقية بغابات المانجروف.
الإكثار البذري والإكثار النسيجي للمنجروف :
تعتمد أغلب الدول في إكثارها للقرم ( المانجروف (Avicenna marina) ) عن طريق زراعة البذور لإنتاج أشتال بذرية وتعتبر هذه الطريقة ذات سلبيات كثيرة  حيث لا يضمن التكاثر بالبذرة في أغلب الأحيان المحافظة على الصفات الوراثية للآباء والتي نتجت منها هذه البذور وعلى ذلك تعطي البذور في هذه الأحوال نباتات مخالفة وراثيا للصنف وهذا غير مرغوب فيه, كما يؤدي التكاثر بالبذرة  إلى الحصول علي نباتات غير متجانسة فيما بينها وهذا يؤدي لاحقا إلى إختلاطات وراثية كما تتأخر النباتات البذرية في النمو الخضري والزهري عن النباتات الناتجة من التكاثر الخضري النسيجي بالإضافة أن النباتات الناتجة من البذور أضعف بكثير في مقاومتها مقارنة بالأشتال الناتجة بالتكاثر النسيجي ,وأن نسبة نجاح إستمرار حياة الأشتال البذرية في مواقع زراعتها تكون أقل بكثير من تلك المنتجة نسيجيا .
وهنا أريد أن أذكر بإختصار بأن أفضل طريقة لإكثار القرم ( المانجروف ) وإعادة دوره الحيوي والبيئي العام هي عن طريق إكثاره خضريا أي لاجنسيا  Asexual or Vegetative Propagation بواسطة زراعة الخلايا والأنسجة النباتية عن طريق زراعة أجزاء تكاثرية محددة تؤخذ من أشجار القرم ( المنجروف ) المختارة بدقة من أرض الواقع والأجزاء التكاثرية التي نجحت في زراعتها هي القمم و البراعم الخضرية Vegetative buds  أوعن طريق زراعة الجنين البذري Embryo culture. وتضمن هذه الطريقة الحديثة من التكاثر المحافظة الحصول على أعداد كبيرة وعلى ثبات التركيب الوراثي للسلالات المختارة وضمان عدم التغير فى صفاتها جيلاً بعد آخر وتجنب ظهور بعض الصفات غير المرغوبة والتخلص من المسببات المرضية المختلفة والتغلب على العوامل البيئية غير الملائمة وتفادى التعرض لمشكلات عديدة في إنبات البذور أو أمراض البادرات وثبات حياة الأشتال…

  • وأريد هنا أن أعدد بإختصار ما ذكرته سابقا في إحدى مقالاتي عن مزايا وفوائد إنتاج القرم ( المانجروف ) بواسطة الزراعة النسيجية في مختبر زراعة الخلايا والأنسجة النباتية :

•     الإنتاج الكبيرمن أشتال القرم ( المانجروف ).
•     إنتاج أشتال نقية وراثيا ومطابقة تماما للنباتات البرية الأم ذات الموطن الأصلي للدولة.
•      إنتاج أشتال سليمة خالية من كافة الأمراض النباتية وتملك صفة المقاومة وخاصة الأمراض الفيروسية.
•     إنتاج غراس وأشتال قوية  ذات نمو عالي في مجموعها الخضري والمجموع الجذري وهذا ما يؤدي إلى ثبات وتأقلم  الأشتال النسيجية المزروعة في أماكن زراعتها الدائمة.
•     لا توجد نسبة فقد وموت تذكر في أشتال القرم ( المانجروف ) المنتجة نسيجيا و المزروعة في الأرض الدائمة  حيث لا تتجاوز هذه النسبة  (1- 2 % ).مقارنة بالفقد العالي الناتج من زراعة الأشتال المكاثرة بالطرق العادية والتي يبلغ معدل الفقد والموت فيها بما يزيد عن (50% ).
•     الإنتاج الكثيف ضمن ( مبنى المخبر) مقارنة بالإنتاج بالطرق العادية الأخرى التي تحتاج إلى أراضي كبيرة لإقامة العديد من المشاتل والبيوت المحمية الواسعة (المكيفة) والمكلفة جداً .
•     الإنتاج النباتي على مدار أشهر السنة دون إنتظار مواسم وفصول التكاثر العادي.
•    عدم التأثر بالظروف الخارجية الجوية من العوامل المناخية الغير مساعدة لعمليات التكاثر والإنتاج النباتي بطرق الإنتاج الكلاسيكي الشائعة .
•       السرعة الفائقة في الإنتاج إذ يمكن الحصول على مئات الألوف من أشتال ” القرم المانجروف ” بفترة زمنية قصيرة لا تتجاوز (3-6) أشهر وذلك حسب النوع والصنف النباتي المكاثر.
•      الإعتماد على أجزاء تكاثرية بسيطة تؤخذ من أشجار” القرم المانجروف “  ودون الإعتماد على نباتات أمهات عالية التكلفة في أثمانها وكلفة إوائها وتربيتها .
•      إمكانية بيع وتصدير كافة أشتال ” القرم المانجروف ” النسيجية  والمنتجة في المخبر إلى كافة دول العالم.
•      لا ينتج عن العمل المخبري أي نفايات (غازية أوسائلة أو صلبة) تضر بالإنسان أو بالبيئة أوبكافة أشكال الحياة.

ومما سبق يمكن القول بأنه على الجهات الرسمية والمنظمات والهيئات البيئية مع كل إنسان يهتم بالبيئة عليه المحافظة على غابات ونباتات المانجروف وأن يمنع عنها كل أذى . وكذلك يجب إعادة النظر في ما تقدم سابقا من خطوات مختلفة ومتناقضة لإنقاذ تلك النباتات من خلال إعداد خطة متكاملة تؤمن حماية هذه الثروة النباتية وإعادة الدور الحيوي لها وإعادة دورها الهام في الطبيعة , ولقد وجدت من خلال عدة بحوث ومشاهدات بأن إنتاج أشتال القرم أو المانجروف  الرمادي (Avicenna marina) بواسطة الزراعة النسيجية في مختبر زراعة الخلايا والأنسجة النباتية هي أفضل الحلول وأسرعها في تأمين إحتياجاتنا من الأشتال و بالعدد الكافي  وبالمواصفات المتميزة  في مقاومتها للظروف البيئية الصعبة و للأمراض , وهذا يكفل في إعادة الدور البيئي  الهام لأشجار القرم  المنجروف في الشواطئ البحرية للعديد من الدول العربية التي تضررت وخاصة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية واليمن .

الدكتور مجد جرعتلي – email: mjuratly@gmail.com